السيد كاظم الحائري

562

تزكية النفس

وهذه الرواية من الروايات التي أحسّ عليها بآثار الصدق ونور الإمامة ، وكلّ بنودها واضحة بالمنطق القطعي . فمن استوى يوماه فهو مغبون ؛ لأنّ العمر هو رأس مال الإنسان ، فمن استوى فقد خسر رأس ماله ، فيكون لا محالة مغبونا . ومن كان آخر يوميّه شرّهما فهو مبعد عن رحمة اللّه ؛ لأنّ المفروض بالإنسان أن يكون في تقدّم ، فإن لم يكن في تقدّم فالمفروض عدم التقهقر في أقلّ تقدير ؛ إذ هذا يعني خسارة رأس المال زائدا خسارة ما كسبه سابقا . ومن لم يعرف الزيادة كان إلى النقصان أقرب ؛ لأنّ الإنسان بطبيعته متحرّك ، ونادر وقوفه ، فلو لم يتحرّك إلى الأمام ففي الأكثر يتحرّك إلى القهقرى . ومن كان إلى النقصان أقرب فالموت خير له ؛ لأنّه بالحياة يخسر ولا يربح . وقد مضى في أواخر الحلقة الثالثة من هذا الكتاب دعاء إمامنا زين العابدين عليه السّلام : « . . . عمّرني ما كان عمري بذلة في طاعتك ، فإذا كان عمري مرتعا للشيطان فاقبضني إليك قبل أن يسبق مقتك إليّ ، أو يستحكم غضبك عليّ . . . » « 1 » . وختاما أقول : إنّ العادة الحسنة حينما تتكوّن فهي على رغم ما تترتّب عليها من فوائد هامّة جدا : كسهولة العمل المعتاد ، وتوفير الزمن ، والانتباه ، وخلق ميل نفسي نحو ذاك الشيء الحسن ، وهذا الميل يجرّ الإنسان نحو الخير ، على رغم كلّ هذا يوجد لها ضرر جانبي ، وهو : أنّه حينما صارت العبادة أو أيّ عمل خيري عادة للإنسان ، يقلّ في كثير من الأحيان الالتفات التفصيلي وحضور القلب حين العمل . ولا يصحّ تدارك ذلك بكسر العادة ؛ فإنّ كسر العادة الحسنة خسارة عظيمة ، بل ينبغي أن يكون تداركه بأمرين : الأوّل : التعمّد إلى إلفات النفس وتذكيرها حين الانشغال بالعمل إلى العمل وإلى اللّه تعالى ، وتركيز الذهن على ذلك وإحضار القلب ؛ فإنّ العمل القليل بالحضور

--> ( 1 ) الدعاء العشرون من الصحيفة السجاديّة .